تجاور قرية ذنّابة، مدينة طولكرم، ويفصل بينهما، مخيم طولكرم، ورغم ما يلحظه الزائر من البنايات الحديثة المنتشرة في القرية، إلّا ان وجود بقايا قلعة البرّقاوي الأثرية، على مرتفع، وسط القرية القديمة، يشير إلى تاريخها، والدور الذي لعبته في القرن التاسع عشر. انقسمت ذنّابة إلى حارتين: الغربية، والشرقية، وأحاط بها سور، ما زالت الحكايات عنه وعن القلعة وآل البرّقاوي، يتواترها الأهالي. قصور مندرسة يسكن زاهر عمران، قريبا من القلعة الآيلة للسقوط، ويقول، بان أجزاءا عديدة من القلعة تتساقط، بسبب الأحوال الجوية كالثلوج، والإهمال، مما جعل خطر سقوطها، محدقا. من الواضح ان القلعة ضمت عدة قصور، أو هي جزء من هذه القصور المندرسة الان، وتظهر بقايا بعضها. يقول عبد الله ابراهيم برّقاوي، الذي يسكن قريبا من القلعة، بان الشيخ عيسى البرّقاوي، أحد شيوخ قرى الكراسي في القرن التاسع عشر، هو من بنى هذه القلعة لأخيه الشيخ موسى، ويستدل بذلك من نقش كان موجودا على القلعة: ديار على أبوابها السعد راسخٌ لقد حفها الايمان ذخرا وايناسَ فلقد شادها للشيخ موسى ابن مصطفى حميد المزايا صنو فخر الورى عيسى الشيخ عيسى، إحدى الشخصيات المعروفة في تاريخ الاقطاع الفلاحي في فلسطين القرن التاسع عشر، كان واحدا من شيوخ القرى، الذين أعلنوا التمرد على ابراهيم باشا في عام 1834م، وشارك في الثورة على الباشا المصري، التي تقررت في اجتماع عُقد في قصر آل القاسم في قرية بيت وزن، وانتهى التمرد بمقتل العديد من قادته ومن بينهم الشيخ عيسى، الذي بنى عدة قلاع بعضها معروفة أكثر من قلعة ذنّابة، مثل قلعة شوفة، وقصوره في برقة، وكفر اللبلد.
 لدى عبد الله برّقاوي، الكثير مما يرويه من تراث شفهي متناقل، مثل، ان الشيخ عيسى عندما زار ذنّابة التي كانت محاطة بسور قديم، فاعجبه الموقع الاستراتيجي لها، فقتل المتحكم بها واسمه حمّاد النسر، وبنى القلعة التي تشكل مع قلعة شوفة جزءا من ترتيباته الأمنية لحماية أملاكه الشاسعة التي تصل إلى الساحل. ومن التراث الشفهي أيضا، ان الظاهر عمر، كان متزوجا من أخت الشيخ عيسى، وهذا ما قوى موقعه، وان أحمد باشا الجزار، هو من أرسل العمّال إلى ذنّابة لترميم سورها، ومن الصعب ان تتقاطع هذه الروايات مع التاريخ المعروف لقلعة البرّقاوي أو سيرة الشيخ عيسى. ويذكر مصطفى مراد الدباغ بان آل البرّقاوي، نزلوا ذنّابة قبل قرن ونصف القرن. والحكايات كثيرة، ومتشعبة عن حروب آل البرّقاوي، ويورد الباحث رياض عساف، أغنية شعبية تتحدث عن غارة لآل البرّقاوي، على إحدى القرى، وأخذهم بعض الأسرى: قالت شمسة لصلوح لا ياعمتي وين نروح ان رحنا على ذنّابة دخلتها وطلوع الروح وحسب عبد الله برّقاوي، فان السور كان محيطا بذنابة، حتى هزيمة العثمانيين، وبدء الاحتلال البريطاني، حيث بدأ الناس يتوسعون، على حساب السور. ويقول عبد الله، بان آخر صاحب للقلعة يدعى أبو سالم البرّقاوي، الذي كان يملك أراض في قرية أم خالد، وبيارات، وماتور ماء، ولكن في عام 1948 فقد كل شيء، وعاش في القلعة حتى توفاه الله، وتفرق أولاده، فهجرت القلعة، بعد عام 1967م. لدى أحمد برّقاوي، الذي يسكن قريبا من القلعة رواية أخرى حول بابنيها، مؤكدا، انه الظاهر عمر، وانهها بينت على 14 دونما. ويطالب كل من عبد الله واحمد برّقاوي، بضرورة الاسراع بترميم القلعة، وتحويلها إلى متحف، ليصبح معلما بارزا في محافظة طولكرم. وخلال السنوات الماضية، وجه أهالي ذنّابة، شكوى، إلى لجنة السلامة العامة في محافظة طولكرم، مؤكدين بان القلعة آيلة للسقوط وتشكل خطرا، على السلامة العامة. وحدثت تحركات عديدة باتجاه المؤسسات المختلفة المعنية، من أجل انجاز الترميم، ولكن لم يحدث أي شيء حتى الان. الحُلم بأوّل منزل المفكر الدكتور أحمد برّقاوي الذي كان استاذ الفلسفة في جامعة دمشق، والمقيم الان في الامارات العربية المتحدة، من أصحاب القلعة في ذنّابة، التي يُطلق عليها أيضا اسم البوابة، ونشر في جريدة العرب اللندنية (5-7-2015)، مقالا عاطفيا، عن المنزل الاوّل. يقول: "من خلال وصف والدي للبوابة، وهي اسم البيت الكبير لآل البرّقاوي في ذنّابة ومخيلتي تحاول أن ترسم صورة للبيت الكبير". يضيف: "تخيّلت البيت على تلة عالية ذا بوابة كبيرة، وداخلها مجموعة من البيوت الحجرية الكبيرة ثم وجود سور عالٍ. الصورة التي تخيلتها هي كما قلت من وحي وصف أبي. قبل أن تُفعّل خدمة الإنترنت في سوريا بزمن، طلبت من صديقي الدكتور إياد البرغوثي أن يصوّر لي بيتنا في ذنّابة ويرسله إليّ مع أيّ أحد قادم إلى دمشق. لم تمضِ أشهر حتى تسلمت منه ومن الدكتور الصديق عبد عساف مجموعة من الصور لبيتنا. كانت فرحتي بالصور كبيرة جدا، كانت الصورة قريبة مما تخيلته لكنها كانت أغنى بكثير، ولقد لفت نظري في الصور بيتنا بشكل خاص حيث ما زال صالحا للسكن، وهو مؤلف من طابقين من الحجر، وفن عمارته من العقود المعروفة.

 وهناك صورة لبيت كبير جدا شبه مهدم ولم أستطع الربط بين الصورتين". ويذكر: "أنسخ صورة للقسم الخاص بأبي في البوابة الكبيرة، بيت من طابقين كما قلت وأضعها تحت زجاج طاولتي في قسم الفلسفة وكلما زارني أحد سرعان ما أقول له: انظر هذا بيتنا في فلسطين. أتأمل ما أنا عليه من فرح وانتماء، فرح بالبيت الذي ما زال اسمه بيت نسيم برّقاوي، والدي. بيت تاريخي، بيت أنا مالكه". ويؤكد: "علاقتي بالبيت في ذنّابة تحمل أكثر من معنى، تحمل معنى أني حين أعود إلى فلسطين سأجد أمامي الرحم الحميم، معنى أني مرتبط بالوطن، فلسطين. يعني أني أملك المكان الدائم والزمان الدائم في لحظة ما، وبالتالي

 التعلق بالبيت هو التعلق بفلسطين البيت الأكبر، كم أشعر بالقوة وأنا أتأمل كل يوم بيتي الذي أصبح صورة دائمة على طاولتي، البيت المطلّ على العالم صار المكان الذي أطلّ منه على الوجود

الكاتب::أسامة العيسة